المساهمون

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
ا
ا
ا
ء

اقسام الدول

إغلاق

السياحة في الجزائر - حمـــام ملــوان | Tourism in Algeria

فندق المحطة المعدنيةعندما أراد النبي سليمان أن يقوم بجولة طويلة عبر العالم أوفد جمعا من العفاريت من الجن يستكشفون له الطريق، ويحضرون له حمامات للاستراحة من تعب السفر، والاستجمام. وبحكمته اختار الملك سليمان لمرافقته جنا صما بكما عميا حتى لا يرون ولا يكتشفون سر هذه الحمامات العجيبة. ولأن سيدنا سليمان مات، فلم يعد أحد بعده يعرف سر هذه الحمامات، ولا سر تلك العفاريت. ولا يزال الجزائريون الى يوم الناس هذا لا يعرفون هذه القدرة الخارقة التي تتمتع بها مياه حمام ملوان المعدنية في الشفاء من الكثير من الأمراض، والوقاية من الكثير من الأسقام.
هذه هي الأسطورة التي يتداولها سكان المنطقة حول الحمام المعدني التاريخي العتيق في جبال حمام ملوان وأصل اكتشافه. أما عن بناء أول قبة للحمام والمسماة قبة سيدنا سليمان والصهريج الكبير الذي تصب فيه المياه المعدنية المتدفقة بحرارة تفوق الأربعين درجة، فثمة أسطورة أخرى، انها حكاية ذلك الداي الثري التي تكمل القصة. تروي العجائز بجدية كبيرة حكاية ورثنها أبا عن جد، عن بنت الداي التي مرضت مرضا خطيرا شل كل أعضائها وافقدها لون الآدمية، وصرف عليها الداي أموالا باهضة دون أن تجد الشفاء قبل أن ينصحه أطباؤه ومستشاروه بأخذها الى حوض سيدي سليمان المشهور وسط جبال الأطلس.
الداي لم يدخر جهدا وسارع الى شد الرحال نحو عجائب سيدنا سليمان، حيث قامت نسوة المنطقة بوضع البنت داخل بركة من المياه التي تغلي غليانا، وقاموا بتدليكها وتقليبها حتى بدأ الدم يسري في عروقها وبدأت تسترجع صفاتها، وبدأت الحياة تدب في مفاصلها، وتحولت بقدرة قادر من جثة لا تعرف الحراك الى جسم يحرك أجزاءه. وتخلص الأسطورة الى التأكيد أن الداي لم يغادر المكان حتى شفيت ابنته من كل أمراضها الغريبة واسترجعت جمالها وألوان بشرتها التي فقدتها من شدة المرض. والى هذه الحادثة تعود تسمية الحمام بحمام ملوان أي حمام الألوان. الداي لم يصدق ما حدث فتكرم ببناء قبة سيدنا سليمان التي تحتوي المياه المتدفقة من النبع المالح، وصهريج العروس الذي يحتوي مياه النبع العذب، عرفانا ببركات سيدنا سليمان.

الاستعمار الفرنسي

الاستعمار الفرنسي اكتشف أهمية مياه حمام ملوان المعدنية العلاجية، وسحر المكان منذ السنوات الأولى لاحتلال الجزائر، فشق طريقا يبلغ طوله سبعة كيلومترات وسط الجبال الوعرة من بلدة بوقرة، التي تبعد عن العاصمة حوالي 30 كيلومترا، وقام في 1846 بوضع حجر الاساس لبلدة حمام ملوان ببناء بضعة بيوت على الضفة اليمنى لوادي الحراش. وفي عام 1937 وأمام تزايد عدد الأوروبيين الذين أصبحوا يقصدون المكان للتنزه والتداوي قام الفرنسيون ببناء فندق عصري ومحطة معدنية للعلاج بالمياه تحوي صهريجين كبيرين وصهاريج فردية صغيرة، المرافق الوحيدة التي لا تزال الى يومنا هذا.
في حضن جيال الأطلس ووسط غاباتها الكثيفة، وعلى بعد 37 كيلومترا من العاصمة، وحوالي عشرين دقيقة من مطار هواري بومدين تقبع بلدة حمام ملوان مستأنسة بهدير وادي الحراش، الذي لم يمنحها سوى بقعة بسيطة على ضفته اليمنى وظل يهد الجبال الوعرة الشامخة هدا ويشقها باتجاه البحر الابيض المتوسط شقا.
عندما تخرج من العاصمة وتستوي بك الطريق نحو مدينة بوقرة، تنتصب أمامك سلسلة الجبال بخطها البياني الذي يداعب السحاب تارة ويندمج فيه تارة أخرى. كان الطقس هذا اليوم باردا متقلبا فالفصل فصل الربيع لكن شهر ابريل معروف بتقلباته، فكان الجو رماديا لا تكاد تميز بين الجبال التي تفتح لك ذراعيها مرحبة، ولون السماء الا عندما يميل لون السحاب نحو البياض فتشير لك الجبال بلونها الداكن.
ولا تنسجم اللوحة الا عندما تنظر الى يمينك أو شمالك حيث خضرة الأشجار المزهرة والحشائش المختلفة الألوان وحمرة شقائق النعمان، ورائحة زهر البرتقال وحشائش القصبر والمعدنوس تملأ المكان في يوم مكفهر. عندما تسلك هذا الطريق قصد السفر ترى الأشياء عادية، لكنك عندما تسلكه في مهمة استكشافية سياحية مهنية فانك ترى الوجود جميلا، تكتشف قدرة الخالق وروعة المخلوقات. من مدينة براقي الى بوقرة مرورا بمدينة سيدي موسى تشهد تلك المعركة الحامية الوطيس بين الاسمنت المسلح الزاحف على الأراضي الزراعية، والمقاومة المستميتة التي يبديها بعض المزارعين في التمسك بالأرض وغرسها رغم اغراءات أصحاب المال وتربصات مافيا العقار.

عالم خاص

الطريق الى حمام ملوان يدخلك في عالم ساحر يجمع بين كل ألوان الطيف من حقول أشجار التين بمختلف أنواعها وأشكالها الى أشجار البرقوق والكرز والمشمش، ومساحات الخضر والفواكه التي تملأ المكان وتناقر جبروت الحبال، وتهادن مسرى الوادي على الضفتين حتى تضيق بها السبل وتتقطع بها الأسباب فيصبح الوادي محاصرا بين الجبال. عندها يتوقف الزرع وتبدأ الغابة وتفسح المجال لرونق المنظر وسحر المكان. عند مدخل «المقرونات» وهو التقاء الجبلين ومعبر الوادي، تعرف بأنك ستدخل الى عالم الجبال الوعرة فليس أمامك الا عناية الله والثقة فيما أتقنته يد العمال، فالجبال صخرية وشامخة تخالها كأنها متربصة بك أو أنها ستنقض عليك في أي لحظة.

المقرونات والسد العظيم

مكان للاصطيافالمقرونات كانت ستشهد حدثا تاريخيا فريدا من نوعه في بداية السبعينات من القرن الماضي، لولا رفض الرئيس الراحل هواري بومدين المغامرة بالعاصمة. لقد تمت الدراسات حينها لبناء واحد من أكبر السدود في الجزائر بتوصيل الجبلين البعيدين عن بعضهما ببضعة أمتار والعاليين بمئات الأمتار، واجراء بعض الأشغال داخلهما. لكن كانت ثمة ملاحظة اعتبرها التقنيون بسيطة لكن هواري بومدين اعتبرها عظيمة وألغى بسببها المشروع برمته، الملاحظة تقول انه من بين أكبر المخاطر التي قد يشكلها السد، رغم أنها غير واردة الحصول، أنه في حالة ما اذا انفجر فانه سيلقي بالعاصمة الى البحر. السد كان مؤهلا لتوفير مياه الشرب لولايات الوسط، ولري سهل المتيجة الخصب بأكمله الذي يمتد الى آلاف الكيلومترات المربعة ـ وكان سيوفر على المنطقة عناية استغلال المياه الجوفية في الري الفلاحي.
بعد «المقرونات»، وبعد منعطفين أو ثلاثة بمحاذاة الوادي وتحت سفح الجبل تجد بعض المطاعم المهجورة في هذا البرد الذي يوصف عادة ببرد الذئاب، وأخرى لم يعد اليها أهلها مذ عصفت الأزمة الأمنية بالبلاد. ثم سرعان ما تفاجئك بلدة حمام ملوان محاصرة بين الجبل وضفة الوادي، بعد أن كنت تظن بأنه لا حياة بعد هذه الجبال الموحشة. انها بلدة صغيرة أهم ما فيها الفندق والمحطة المعدنية وعشرات الدكاكين بألوانها الزاهية تبيعك كل التحف التقليدية من ملابس وتماثيل وأطباق من الديس والدوم وأوان من الطين والفخار والكثير من الصناعات التقليدية التي تلقى اقبالا كبيرا من السياح وبخاصة الأوروبيون منهم وعلى رأسهم الفرنسيون الذين يحبون حمام ملوان بشكل مثير للانتباه.

قطب سياحي

رئيس بلدية حمام ملوان يصر على تسمية المدينة بالمحتشد، ويكشف أن السلطات قررت ازالتها، لاقامة قطب سياحي كبير، ذلك لأن بناياتها التقليدية أصبحت تشكل عائقا أمام توسعها، فالمساحة محدودة جدا بين الجبال والوادي. ومن أجل ذلك شرع في بناء مساكن لائقة بالسكان ليتم ترحيلهم. فبلدة حمام ملوان هي في الأصل محطة معدنية حموية، وفندق سياحي فقط، أما السكان فكانوا يسكنون الجبال في مساكن فردية، ومعروف عن الجزائريين تاريخيا تفضيلهم السكن في الجبال لأسباب أمنية ولا ينزلون الى السهول أو الأراضي المنبسطة الا للعمل أو التبضع.
الذي حدث أن فرنسا وسعيا منها الى محاصرة ثورة التحرير وحرمان المجاهدين من الدعم والسند الشعبي الذي كان يوفر لهم المؤونة، ولأن المنطقة كانت ضمن الولاية التاريخية الرابعة اثناء حرب التحرير والتي تعد المنطقة المحرمة الثانية بعد منطقة الأوراس في الولاية التاريخية الأولى، عمدت فرنسا الى تهجير السكان من الجبال وحشرهم في محتشدات شكلت فيما بعد نواة لبضعة بلدات في المنطقة وهي ثلاثة: المقطع الأزرق، وحمام ملوان وحي الجبس. السلطات حسب شيخ البلدية، أطلقت عملية واسعة لاعادة بعث المنطقة من جديد على أسس سياحية تتيح الاستغلال الأمثل لمقدرات وامكانات المنطقة السياحية التي لا تزال رغم صيتها العالمي تحتفظ بمرافق عتيقة تعود الى بداية القرن الماضي، فقد بيعت المحطة والفندق لأحد المستثمرين الخواص وستصدر مناقصات للمستثمرين للمساهمة في الاستفادة من مزايا المنطقة.
كما أن المنطقة تسكنها قبيلة تسمى «بني مصرا» وتقول بعض الروايات أنهم قدموا الى المنطقة من مصر في الأزمنة الغابرة ـ ربما في رحلة سيدنا سليمان الأسطورية ـ لذا يسمون كذلك، وهم معروفون بشدتهم وصلابتهم وقساوتهم التي يقولون أنهم اكتسبوها من قساوة الطبيعة وتضاريس المنطقة، والبعض يقول انهم ورثوها من أجدادهم الفراعنة. غير أن الواحد منهم يطلق عليه صفة مصراوي، ولا يقال له مصري.
ويعود الفضل للعرب وحدهم في اكتشاف الفوائد الطبية لمياه حمام ملوان الفريدة من نوعها، فهو الحمام الوحيد في الجزائر الذي فيه عينان نضاختان تصل درجة حرارتهما الى 41 درجة، احداهما عذب ماؤها والثانية مالح، ولا يُعرف سبب ملوحته لعدم وجود صخور ملحية في المنطقة. وثبت طبيا أنهما تشفيان داء المفاصل بجمبع أنواعه، وأمراض العظام، والآلام العصبية المفصلية وأمراض الكبد والبنكرياس والكلى والأوعية والأوردة وفقر الدم والقولون ووهن الشيخوخة. ومع ذلك لا تتمتع محطة حمام ملوان بما تتمتع به الحمامات الحموية الوطنية السبعة المنتشرة عبر التراب الوطني، بصفة الوطنية، وتصنف كمحطة محلية.

طبيعة عذراء

بلدة المقطع لزرق في حمام ملوان حمام ملوان، ليست المحطة المعدنية الحموية فقط والسياحة الصحية، انها طبيعة عذراء بكل ما تحمله الكلمة من معنى تتمتع بأنواع أخرى من السياحة. السياحة الجبلية طيلة فصول السنة، وخاصة تسلق الجبال، والتزلج على الثلج شتاء، والاصطياف على جنبات الوادي صيفا. ففي فصل الحر تتحول جنبات الوادي من بلدة المقطع الأزرق الى مخارج حمام ملوان الى خيم من القصب والقش يصنعها شباب ويؤجرونها الى المصطافين الذين يقصدون المكان وبخاصة القادمون من العاصمة الذين يفضلون السباحة والعوم في مياه الوادي الجارية الرقراقة عن السباحة في مياه البحر. وادي الحراش في حمام ملوان يتحول طيلة فصل الصيف الى خلية نحل يؤمه أكثر من 3 آلاف سيارة يوميا، حسب احصائيات البلدية. وعلى أرصفة الطريق يصطف الأطفال لبيع خبز الدار أو ما يسميه العاصميون المطلوع وهو نوع من الخبز يتم طهيه في فرن تقليدي باستعمال الحطب، وبيع النباتات الطبية من الشيح والزعتر والنعناع وغيرها، وأنواع مختلفة من الفاكهة الطازجة من تين ومشمش وتين هندي وذرة مشوية على الجمر وما الى ذلك، وعرض مختلف الحيوانات الداجنة من دجاج وديكة محلية وديكة هندية وأوز وبط وأرانب.

حكايات غريبة

السكان والمترددون على المحطة المعدنية يتداولون حكايات غريبة عن حالات من الامراض الغريبة والخطيرة شفي حاملوها بعد التداوي بمياه المحطة. ومن كثرة القصص العجيبة يختلط عليك الحديث في بعض الأحيان بين الحقيقة والخيال، خاصة عندما يؤكد لك محدثوك أن بركات مياه سيدنا سليمان تشفي من العقم والجنون والأمراض النفسية، وكل ما يعجز الطب عن علاجه، وتصل بعض الروايات الى تأكيد بعض الخوارق التي يصعب على العقل تصديقها.

اكتشاف عربي

يوجه رئيس البلدية نداء خاصا للمستثمرين العرب للاستثمار في المنطقة العذراء، لما تمنحه من قدرات وسمات تفوق بكثير المناطق السياحية في أوروبا بل يقول لا يوجد مثيلها في العالم، ناهيك عن قربها من العاصمة ومطارها الدولي وحمامها المعدني أقرب الحمامات الحموية الى العاصمة. ولعل حرص رئيس البلدية على الاستثمار العربي مرده الى الشهرة الكبيرة التي اكتسبتها حماماتها المعدنية التي تعد الوحيدة في الجزائر التي اكتشفها واستغلها العرب، فلم يسجل أن سبقهم الرومان اليها، بل ان أحد الفرنسيين يؤكد أن المياه المعدنية العجيبة لحمام ملوان كانت اكتشافا عربيا خالصا ولم يعثر على دلائل أو آثار للرومان رغم اجتهادهم على تأكيد ذلك.
إعداد: نصرالدين قاسم

قد يعجبك أيضا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق